ابن كثير
11
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يَعْمَلُونَ [ آل عمران : 163 ] وَمَغْفِرَةٌ أي يغفر لهم السيئات ويشكر لهم الحسنات . وقال الضحاك في قوله لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أهل الجنة بعضهم فوق بعض ، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه ، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد . ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء » . قالوا : يا رسول اللّه ، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم فقال : « بلى والذي نفسي بيده ، لرجال آمنوا باللّه وصدقوا المرسلين » « 1 » . وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي عطية عن ابن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إن أهل الجنة ليتراؤون أهل الدرجات العلى كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما » « 2 » . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 5 إلى 8 ] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) قال الإمام أبو جعفر الطبري « 3 » : اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ، فقال بعضهم شبه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم وإصلاحهم ذات بينهم وطاعتهم للّه ورسوله ، ثم روي عن عكرمة نحو هذا . ومعنى هذا أن اللّه تعالى يقول كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححتم فيها فانتزعها اللّه منكم وجعلها إلى قسمه ، وقسم رسوله صلى اللّه عليه وسلم فقسمها على العدل والتسوية ، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم ، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة ، وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم ، فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد رشدا وهدى ، ونصرا وفتحا ، كما قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 8 ، والرقاق باب 51 ، ومسلم في الجنة حديث 11 ، وأحمد في المسند 3 / 50 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الحروف باب 19 ، وابن ماجة في المقدمة باب 11 ، وأحمد في المسند 3 / 26 ، 27 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 180 .